قواصم في طريق الدعوة

 

هناك على ساحة الدعوة قواصم حَمَّلت الدعوة أعباء عديدة، فأفسدت ما أصلحه المصلحون، وذهبت ببهاء الدعوة وجمالها، وحمَّلت الإسلام والمسلمين أعباء جسامًا، حالت دون تحقيق رسالة الدين على الوجه الصحيح في دنيا الناس([1])، ومن أهم قواصم الدعوة ما يلي:

القاصمة الأولى- تعرض الداعية لما لا يعلم:

وهذا الأمر من الخطورة بمكان؛ لأن قول الداعية بما لا يعلم فيه مهلكة، وهاك مَثَلًا من سنة النبي r يدل على ذلك: فعن جابر قال: «خرجنا في سفر، فأصاب رجلًا منا حَجَرٌ فشَجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي r أُخْبِر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله ! ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيِّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر (أو يعصب) ([2]) على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده» ([3]).

إن على الداعية – بناء على ذلك - أن يمسك عن الجواب فيما لم يتضح له فيه وجهُ الصواب؛ عملًا بقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء: 36]، وأن يعلم بأن سكوته عما لا يعلم خوفًا من الله لا يقل في الثواب عن الكلام به إذا علم، وأن يضع نصْبَ عينيه أن إحجامه عن الجواب فيما لا يعلم - وإن أصابه من ذلك بعض الحرج- أهون من السؤال بين يدي الله، وأن يعلم بأن عدم معرفته ببعض الأشياء لا يحط من قدره، وأن يعلم بأن منصب الفتيا تكليف لا تشريف([4]).

فليتق الله كل من تصدى للناس، ولا يتحدث بحضرة من هو أعلم منه إلا على سبيل العرض والتلقي، وليحرص كلٌّ منهم على التحمل الصحيح، وإسناد الحق لربه، ولا يتعرض لما لا يعلمه، ولا يفتي إلا بدليل قطعي، وليكن حسبه توجيه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حيث قال: « يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، قال الله عز وجل لنبيه r : ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ »([5]).

وقال ابن عباس - رضي الله عنهما-: «إذا ترك العالم قولَ: لا أدري أصيبت مقاتله» ([6])، أي: هلك من ترك: لا أدري([7]).

القاصمة الثانية - افتقار الداعية إلى العمل بما يعلم:

وهذه قاصمة الظهر للداعية، أن يراه الناس حيث ينهاهم، ويفتقدوه حيث أمرهم. قال الله تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[البقرة: 44]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف:2-3].

إن عمل الداعية بعلمه من الأهمية بمكان؛ لأن قيمة العلم في العمل به، يقول سفيان بن عيينة: «إن أنا عملتُ بما أعلم فأنا أعلَمُ الناس، وإن لم أعمل بما أعلم فليس في الدنيا أحدٌ أجهل مني» ([8]).

ويقول الشافعي: «ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نَفَع»([9]).

والناس يأخذون الداعية قدوة صالحة، فيكون انتفاعهم من علمه بقدر ما ينتفـع به لنفسـه، يقول الإمام ابن القيم: «علماء السوء جلسوا على باب الجنة، يدعون إليها الناسَ بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقًّا، كانوا أول المستجيبين له، فَهُمْ في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاعُ طرق» ([10]).

ثم إن العمل يستبقي بركة العلم، ويتيح الفرصة لتحصيل المزيد منه؛ روي عن سيدنا عيسى أنه قال: «من عمل بما يعلم ورَّثه الله علم ما لم يعلم»([11]).

زد على ذلك، أن طلب العلم بنية العمل به يكسو صاحبه تواضعًا وجمالًا، وطلبه لغير ذلك يزيده فجورًا وطغيانًا؛ ولهذا يقول مالك بن دينار: «إن العبد إذا طلب العلم للعمل كساه علمه جمالاً، وإذا طلبه لغير ذلك ازداد به فجورًا أو فخرًا»([12]).

القاصمة الثالثة - تحدث الدعاة مع العوام بما لا يُعْقَل معناه:

وهذا ديدنُ بعض الدعاة، في واقعنا المعاصر، يتقعرون في الكلام، ويتشدقون؛ فيتعالون في خطابهم على عقول الناس؛ ظنًّا منهم أن ذلك يظهرهم بمظهر العلماء المتعمقين، وقد مرَّ معنا نهي الإمام علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – عن ذلك في قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!»([13]).

والمعنى: حدثوهم بما تصل عقولهم إلى إدراكه وفهمه، ولا تحدثوهم بما تعجز عقولهم عن إدراكه وفهمه؛ فينكرون عليكم؛ لعجزهم.

إن المتقعرين والمتشدقين جميعهم في ضلال، وهم فتنة على الناس بما نطقت ألسنتهم، وقصرت أفهامهم عن بصيرة الدعوة وفقهها([14]).

وصدق الرسول r حين قال: «هلك المتنطعون»([15])، أي: هلك المتعمقون الغالون المجاوزون للحدود في أقوالهم وأفعالهم.

القاصمة الرابعة – استعجال الدعاة قطف الثمرة قبل نضجها:([16])

وهذا مزلق آخر يقع فيه بعض الدعاة، لا سيما الشباب منهم؛ إذ يتميز هؤلاء بفرط حماسهم إلى جانب إخلاصهم، وقد يرغبون في استعجال الثمرة والشعور بالنجاح في أداء رسالتهم، مما يدفع بعضهم إلى مجاوزة منهج الوسطية في الدعوة إلى الله، ومنهم من يستبطئ النتائج، وقد يصاب بالفتور حال تأخرها.

والحق الذي يجب أن يضعه كل داعية نصب عينية أن هداية الناس بيد الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص : 56].

وأن مهمة الدعاة التبليغُ والبيان، قال الله تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾[التغابن: 12] . وقال تعالى: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ﴾ [الشورى: 48].

فإذا بذلوا جهدهم في ذلك، فقد قاموا بالواجب، وأدوا الأمانة، فمن سنن الله القائمة، اختلاف الناس بين الإيمان والكفر: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾[السجدة: 13].

وهذا من أهم ما يجب أن يعرفه الداعي إلى الله، فهو يدعو ويبذل جهده، ويبسط علمه أمام المدعوين، والله سبحانه يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم.

 

 



([1])       انظر: المدخل إلى الدعوة الإسلامية، عبد الله حسن علي بركات، ص (247).

([2])       الشَّك هنا من موسى شيخ أبي داود.

([3])       أخرجه أبو داود (1/93) كتاب الطهارة، باب: في المجروح يتيمم (336)، وفي سنده الزبير بن خريق، قال فيه ابن حجر في التقريب (1/258): لين الحديث. وانظر: الكاشف للذهبي (1/318، 319) رقم (1632)، وابن ماجه (1/189)، كتاب الطهارة وسننها، باب: في المجروح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه إن اغتسل (572)، والحاكم (1/178)، والدارقطني (1/191) رقم (6)، من طريق آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما.

([4])       انظر: أخلاق الدعاة إلى الله تعالى، طلعت محمد عفيفي، ص (140-143).

([5])       أخرجه البخاري، باب قوله : (وما أنا من المتكلفين)، برقم (4809).

([6])       المدخل إلى السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، تحقيق محمد ضياء الرحمن الأعظمي، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، الكويت، 1404هـ، ج1، ص 436.

([7])       انظر: المدخل إلى الدعوة الإسلامية، عبد الله حسن بركات، ص (251).

([8])       الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي، (1/90).

([9])       تذكرة السامع والمتكلم، ابن جماعة، ص (15).

([10])     الفوائد، ابن القيم، ص 61 .

([11])     حلية الأولياء، أبو نعيم الأصفهاني، (10/15).

([12])     اقتضاء العلم العمل، الخطيب البغدادي، ص (32).

([13])     تقدم تخريجه ص47.

([14])     انظر: المدخل إلى الدعوة الإسلامية، عبد الله حسن بركات، ص (263، 264).

([15])     أخرجه مسلم (4/2055) كتاب العلم، باب: هلك المتنطعون (7/2670)، والطبراني في الكبير (10/226).

([16])     انظر: الأمة الوسط، والمنهاج النبوي في الدعوة إلى الله، عبد الله بن عبد المحسن التركي، بتصرف يسير.